بعد ما دفنت ابني الوحيد بإيدي
بعد ما دفنت ابني الوحيد بإيدي، اكتشفت إن أبويا وأمي وأختي كانوا بيحتفلوا بموته على البحر… لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الخيانة دي. الصدمة جات بعد 3 شهور، لما فتحت فلاشة قديمة لقيتها في شنطة ابني، وسمعت صوت جوزي الميت بيقول لو بتسمعي التسجيل ده يا مريم، يبقى الحادثة اللي قتلتني ما كانتش حادثة…
وقعت الفلاشة من إيدي.
قلبي وقف.
والدنيا كلها بقت ساكتة.
لثواني طويلة فضلت أبص للشاشة السودا قدامي ومش قادرة أتنفس.
لأن جوزي شريف مات من تسع شهور.
وابني مازن مات من تلات شهور.
يعني مستحيل أسمع صوته دلوقتي.
مستحيل.
لكن الصوت كان صوته.
نفس النبرة الهادية.
نفس الطريقة اللي كان بينطق بيها اسمي.
مريم… لو التسجيل ده وصلك، يبقى فيه حاجة حصلتلي أنا ومازن.
بدأ جسمي كله يرتعش.
لكن قبل ما أحكيلكم اللي كان جوه التسجيل…
لازم أرجع بيكم لليوم اللي بدأت فيه الكارثة كلها.
اسمي مريم رأفت.
عندي 38 سنة.
وكنت فاكرة إن عندي عيلة.
كنت فاكرة إن أبويا راجل محترم.
وإن أمي قلبها أبيض مهما كانت قاسية أحيانًا.
وإن أختي جيهان ممكن تبقى مدلعة وأنانية شوية، لكنها في النهاية أختي وسندي.
كنت غبية.
غبية جدًا.
لأن الحقيقة إن الإنسان أحيانًا بيعيش عمر كامل جنب وحوش متنكرين في شكل أهل.
جوزي شريف كان موظف بنك في الإسكندرية.
راجل محترم لدرجة تخليكي تستغربي إنه لسه موجود في الزمن ده.
أكتر حاجة كان بيحبها في الدنيا كانت أنا ومازن.
وابني مازن…
كان عنده 12 سنة.
12 سنة بس.
كان بيصحى كل يوم الصبح يجري يحضني قبل المدرسة.
وكان بيقولي
ماما لما أكبر هشتريلك فيلا كبيرة قد البحر.
وأضحك وأقوله
بس ذاكر الأول يا باشا.
فيضحك ويجري.
ماكنتش أعرف إن الأيام دي كلها كانت بتجري ناحية النهاية.
يوم السبت الصبح خرج شريف ومازن يصطادوا.
قبل ما ينزلوا، مازن رجع من عند الباب وجري عليا.
وقال
خلي الأكل جاهز يا ست الكل… هرجع جعان.
ضحكت.
وضربته بخفة على كتفه.
وقلت
امشي يا ولد.
كانت آخر مرة ألمسه فيها وهو حي.
آخر مرة أشم ريحته.
آخر مرة أسمع صوته.
الساعة عدت ستة.
بعدين سبعة.
بعدين تمانية.
وماحدش رجع.
تليفوناتهم مقفولة.
قلبي بدأ يقبض.
لكن كنت بقول لنفسي يمكن الشبكة وحشة.
يمكن اتأخروا.
يمكن أي حاجة.
لحد ما الساعة 847 مساءً.
الباب خبط.
فتحت.
لقيت اتنين ضباط واقفين.
أول ما شفت وشوشهم…
عرفت.
فيه مصيبة.
مصيبة كبيرة.
واحد منهم بلع ريقه وقال
مدام مريم؟
رجلي بدأت تضعف.
قال بصوت منخفض
حضرتك لازم تتفضلي معانا المستشفى.
ساعتها عرفت إن حياتي انتهت.
لكن حتى وأنا راكبة العربية معاهم…
ماكنتش متخيلة إن الكابوس الحقيقي لسه ما بدأش.
وإن الحادثة اللي قالوا إنها قضاء وقدر…
كانت في الحقيقة أول خطوة في مؤامرة هتدمر عيلة كاملة.
وصلت المستشفى وأنا حاسة إن روحي سبقتني هناك.
أول ما دخلت قسم الطوارئ، شفت عربية شريف.
أو اللي فاضل منها.
كانت متكورة زي علبة صفيح مداس عليها.
وقفت مكاني.
رجليا بطلت تشيلني.
الدكتور قرب مني وهو بيبص في الملف اللي بإيده.
قال بصوت هادي
حضرتك زوجة الأستاذ شريف؟
هزيت راسي.
بلعت ريقي بالعافية.
الدكتور سكت ثانية طويلة قبل ما يقول
البقاء لله.
الكلمة وقعت على دماغي زي الرصاص.
لأ…
خرجت مني ضعيفة.
لأ…
لكن الدكتور كمل
زوجك توفي في مكان الحادث.
صرخت.
أول صرخة حقيقية في حياتي.
صرخة خلت الممرضات كلها تبص عليا.
لكن الدكتور مسكني قبل ما أقع.
وقال
استهدي بالله… ابنك لسه عايش.
رفعت عيني بسرعة.
مازن؟!
قال
في العناية المركزة.
جريت.
مشيت في الممرات وأنا بترنح.
لحد ما وصلت للسرير.
وشفته.
جسمي كله اتجمد.
مازن كان متوصل بأجهزة أكتر من اللي كنت بشوفها في الأفلام.
أنابيب في كل مكان.
رأسه ملفوفة بالشاش.
وجسمه الصغير مرمي على السرير الأبيض.
قربت منه.
مسكت إيده.
كانت باردة.
همست
أنا هنا يا حبيبي.
لكن ما ردش.
ولا فتح عينه.
ولا حتى حرك صباع واحد.
الدكتور قال إن عنده نزيف حاد في المخ.
وإن حالته حرجة جدًا.
وإن الساعات الجاية هي اللي هتحدد كل حاجة.
ومن اللحظة دي…
بدأت رحلة العذاب.
دفنت شريف بعد يومين.
وقفت قدام قبره وأنا حاسة إني بدفن نصي التاني.
لكن ماكنش عندي وقت للحزن.
كان لازم أرجع المستشفى.
عشان مازن.
عشان ابني.
عشان آخر حاجة فاضلالي في الدنيا.
الأيام اتحولت لأسابيع.
والأسابيع اتحولت لشهور.
ست شهور كاملة.
ست شهور وأنا عايشة بين جهاز التنفس وصوت المونيتور.
أنام على كرسي.
وأصحى على كرسي.
وأدعي.
وأبكي.
وأستنى معجزة.
لكن المعجزة ماجتش.
واللي وجعني أكتر من المرض…
كان أهلي.
أبويا وأمي وأختي.
في أول أسبوع جم يزوروا مازن.
بعدها بأسبوعين جم نص ساعة.
بعدها اختفوا تقريبًا.
لحد ما بقيت أنا وغادة صاحبتي بس.
غادة كانت تيجي كل يوم.
تجيبلي أكل.
وتقعد جنبي.
وتخليني أشرب مية بالعافية.
أما أهلي…
فكانوا بيكلموني كل فترة يسألوا سؤال واحد بس
لسه في المستشفى؟
كأنهم مستنين النهاية.
وفي صباح يوم الأربعاء…
جت النهاية فعلًا.
الساعة كانت سبعة إلا ربع.
كنت ماسكة إيد مازن.
وفجأة…
صوت الجهاز اتغير.
الدكاترة جروا.
الممرضات جروا.
والأوضة كلها اتقلبت.
فضلوا يحاولوا.
ويحاولوا.
ويحاولوا.
وبعدين…
خرج الصوت الطويل المرعب.
الصافرة المستمرة.
الصوت اللي أي أم بتكرهه.
الصوت اللي معناه إن القلب وقف.
إلى الأبد.
الدكتور بصلي.
وعينه مليانة أسف.
وقال
البقاء لله.
في اللحظة دي…
ما عيطتش.
ما صرختش.
ما انهارتش.
حسيت إن كل المشاعر ماتت جوايا.
كأن روحي طلعت مع مازن.
وسابت جسمي فاضي.
طلعت برة الأوضة.
ورنيت على أمي.
أول ما ردت قلت
ماما… مازن مات.
سكتت ثانية.
ثم قالت
إنا لله وإنا إليه راجعون.
استنيت.
كنت مستنية تسمعني بتقول
جاية.
مستنياها تقول
استحملي يا بنتي.
أنا في الطريق.
لكنها قالت
للأسف مش هنعرف نيجي.
افتكرت إني سمعت غلط.
إيه؟
قالت
إحنا مسافرين بكرة الساحل مع جيهان وشريف.
اتجمدت.
ماما… ده حفيدك.
قالت ببرود
الحجز مدفوع ومش هنعرف نلغيه.
في اللحظة دي…
كان فيه شيء بيتكسر جوايا.
لكن ماكنتش أعرف إن ده مجرد أول كسر.
وإن الحقيقة اللي هعرفها بعد شهور…
هتخليني أتمنى لو الخيانة وقفت عند السفرية وبس.
قفلت المكالمة.
وقعدت أبص للموبايل في إيدي.
ثواني.
دقيقة.
اتنين.
مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
ابني مات.
وأمي مش جاية تدفنه عشان عندها مصيف.
كان نفسي أصرخ.
أكسر حاجة.
أعمل أي رد فعل طبيعي.
لكن الغريب إني حسيت ببرود مرعب.
برود كأن قلبي اتحول لحجر.
بعدها بنص ساعة رن تليفوني تاني.
كانت جيهان.
رديت.
قالت بصوت مستفز
ماما قالتلي على اللي حصل.
ما
لمحة نيوز
رديتش.
كملت هي
بصي يا مريم، أنا زعلانة طبعًا على مازن.
سكتت ثانية.
ثم قالت الجملة اللي عمري ما نسيتها
بس الحياة لازم تكمل.
حسيت إن الدم وقف في عروقي.
قلت
الحياة لازم تكمل؟
قالت
أيوة يعني مش هنقعد نلطم ونضيع عمرنا.
فضلت ساكتة.
فكملت
وبعدين أنا حامل ومحتاجة أغير جو.
في اللحظة دي قفلت السكة في وشها.
من غير كلمة واحدة.
من غير شتيمة.
من غير خناق.
لأني فجأة فهمت حاجة مهمة جدًا.
في ناس ما تستاهلش حتى إنك تتخانق معاها.
بعد يومين دفنت مازن.
كان يوم أسود.
السماء نفسها كانت باينة حزينة.
وأثناء الدفن…
وأنا واقفة قدام القبر…
الموبايل اهتز في جيبي.
فتحت بالصدفة.
لقيت إشعار إنستجرام.
جيهان منزلة ستوري.
كانت واقفة على يخت.
لابسة فستان أصفر.
بتضحك.
وحاطة أغنية صاخبة.
وكاتبة
أحلى صيف مع أحلى ناس.
بصيت للصورة.
وبعدين بصيت للقبر.
وبعدين رجعت أبص للصورة.
وقتها بس…
مات آخر شيء جوايا ناحية عيلتي.
رجعت البيت بعد الدفن.
وقعدت طول الليل.
ولا دمعة نزلت.
ولا كلمة خرجت.
بس أخدت قرار.
قرار غير حياتي كلها.
الصبح بدري.
ركبت عربيتي.
ورحت على شقة سموحة.
الشقة اللي شريف كان سايبها لجيهان ببلاش.
طلعت المفتاح.
فتحت الباب.
ودخلت.
الشقة كانت مليانة أثاث جديد.
أجهزة.
ديكورات.
حاجات كلها متجابهة من فلوس عمرها ما دفعتها.
وقفت وسط الصالة.
وافتكرت شريف.
افتكرت وهو بيقولي
العيلة لازم تسند بعضها يا مريم.
ضحكت.
أول ضحكة من يوم وفاة مازن.
بس كانت ضحكة مرة.
مريرة جدًا.
وبدأت التنفيذ.
خلال أربع ساعات كانت الشقة فاضية.
كل حاجة متغلفة ومتشالة.
وكل الأقفال متغيرة.
ولأول مرة في حياتي. ..
حسيت إن العدالة بدأت تشتغل.
لكن اللي ماكنتش أعرفه…
إن الانتقام الحقيقي لسه ما بدأش.
بعد حوالي 3 شهور…
كنت قاعدة لوحدي في البيت.
بفرز حاجات مازن.
ألعابه.
كتبه.
هدومه.
الحاجات اللي ريحتها لسه فيه.
وكل شوية أبكي.
وأرجع أكمل.
لحد ما وصلت لشنطة المدرسة.
فتحتها.
طلعت الكراسات.
الأقلام.
المقلمة.
وفجأة…
حسيت بحاجة صلبة في الجيب الجانبي.
مديت إيدي.
وطلعت فلاشة صغيرة سوداء.
استغربت.
مازن ماكانش بيستخدم فلاشات أصلًا.
قلبتها بين صوابعي.
ولاحظت حاجة مكتوبة بقلم أزرق صغير.
لمريم فقط.
قلبي دق بقوة.
فتحت اللاب توب.
وركبت الفلاشة.
كان جواها ملف فيديو واحد بس.
اسمه
لو حصللي حاجة.
إيدي بدأت ترتعش.
ضغطت تشغيل.
والشاشة اسودت ثواني.
ثم ظهر وجه شريف.
شريف.
بملابسه.
وصوته.
وابتسامته.
كأنه عايش.
في اللحظة دي انهرت.
عيطت لأول مرة من يوم وفاة مازن.
أما شريف فبص للكاميرا وقال
لو بتشوفي الفيديو ده يا مريم… يبقى أنا غالبًا مت.
شهقت.
وقربت من الشاشة.
كمل
ومتخافيش… أنا سجلته عشان كنت حاسس إن في حاجة غلط بتحصل حوالينا.
جسمي كله اتجمد.
ثم قال
الحادثة لو حصلت… غالبًا مش هتبقى حادثة.
في اللحظة دي وقفت أنفاسي.
لكن الصدمة الحقيقية لسه جاية.
شريف فتح درج مكتبه قدام الكاميرا.
وطلع مجموعة أوراق.
وقال
أبوكي حاول يخليني أمضي على تنازل عن الشقة وعن استثمارات باسمي.
عيوني اتسعت.
ولما رفضت… بدأ يهددني بطريقة غير مباشرة.
حسيت بالأرض بتتحرك تحتي.
لكن بعدها بثواني…
قال الجملة اللي قلبت حياتي كلها.
بس أبوكي مش أخطر شخص في الموضوع.
سكت.
وبص للكاميرا.
وقال
العقل المدبر الحقيقي هو جيهان.
وقع اللاب توب من فوق رجلي.
وتناثرت الدموع على الأرض.
لأول مرة…
حسيت إن الكابوس اللي عشته طول السنة اللي فاتت…
كان مجرد بداية.
فضلت قاعدة على الأرض أكتر من ساعة.
مش قادرة أتحرك.
مش قادرة أفكر.
كل اللي جوا دماغي كان جملة واحدة.
العقل المدبر الحقيقي هو جيهان.
أختي.
أختي اللي كنت بشتريلها هدومها.
وأدفع فواتيرها.
وأقف جنبها في كل مشكلة.
أختي اللي كانت بتعيط في حضني لما تزعل.
مستحيل.
أكيد في حاجة غلط.
أكيد شريف فهم غلط.
أكيد فيه تفسير تاني.
بإيد مرتعشة رجعت فتحت الفيديو.
وشريف كمل كلامه.
لو وصلتي للجزء ده يا مريم، يبقى لازم تسمعيني للآخر مهما كان الكلام صعب.
بلعت ريقي.
وقال
من شهر تقريبًا، اكتشفت إن جيهان وأبوكي متورطين في ديون ضخمة.
ظهرت أوراق على الشاشة.
عقود.
إيصالات.
مستندات بنكية.
أرقام بالملايين.
كمل
كانوا فاكرين إن الشقة اللي في سموحة هتفضل معاهم للأبد.
ثم تنهد.
لكن لما قررت أبيعها وأشتري مشروع استثماري لمازن في المستقبل… كل حاجة اتغيرت.
حسيت بقلبي بينقبض.
شريف كان فعلًا ناوي يبيع الشقة.
بس ماقالش لحد.
كمل
بالصدفة سمعت جيهان وهي بتتكلم مع واحد في التليفون.
الصورة اتحولت لتسجيل صوتي.
وصوت جيهان ظهر بوضوح.
لازم يقنع شريف يوقع… بأي طريقة.
صوت رجل سألها
ولو رفض؟
جيهان ضحكت.
ضحكة باردة.
وقالت
يبقى هنشوف طريقة تخليه يوافق غصب.
جسمي كله قشعر.
دي كانت أختي فعلًا.
شريف قال
من يومها بدأت أجمع أي دليل أقدر أوصله.
بعد ما سمعت كلام شريف و إللى شوفته فى فيديو بدأت اجمع أدلة بنفسى
واول حاجه فكرت فيها كاميرا بتاعة عربية ..
روحت لمكان الحادثه و بدأت اشوف تسجيلات فيديو من أماكن اللى حوالين الحادثه.
وعرفت اوصل التسجيلات كاميرا العربية
واول مقطع جديد ظهر..
كاميرا صغيرة مثبتة داخل العربية.
شريف بيقود.
ومازن قاعد جنبه.
وبيضحك.
الصورة كانت قبل الحادث بدقائق.
عيني امتلأت دموع.
مازن كان حي.
بيضحك.
بيتكلم.
كأنه لسه موجود.
ثم فجأة…
ظهر في المراية الخلفية SUV أسود.
العربية كانت ماشية وراهم من فترة.
شريف قال
العربية دي بتتبعني من ساعة ما خرجت.
وبالفعل.
العربية كانت بتلزق فيهم بشكل غريب.
وفجأة…
الصورة اهتزت بعنف.
صوت ارتطام رهيب.
صرخة مازن.
ثم الشاشة اسودت.
أنا نفسي صرخت.
ورجعت أقفل الفيديو.
لكن فيه ملف تاني.
فتحته.
وكانت المفاجأة.
كاميرا محطة بنزين قريبة من مكان الحادث.
بتصور بعد التصادم بدقائق.
العربية السودا واقفة بعيد.
وسواقها بيتكلم في الموبايل.
الصورة كانت مش واضحة جدًا.
لكن الصوت…
الصوت كان واضح.
أيوة يا مدام جيهان… الموضوع خلص.
جسمي كله اتشل.
وقفت فجأة.
الكرسي وقع ورايا.
أنا كنت بسمع اسمها.
اسم أختي.
بأذني.
ساعتها لأول مرة حسيت إن الخوف اختفى.
والحزن اختفى.
حتى الدموع اختفت.
فضل شيء واحد بس.
الغضب.
غضب أسود.
بارد.
مميت.
في صباح اليوم التالي.
أخدت الفلاشة.
وروحت لمحامي شريف القديم.
المستشار عصام.
الراجل أول ما شاف الأدلة وشه اتغير.
وقعد ساعتين كاملين يراجع كل حاجة.
وفي النهاية قال
لو التسجيلات دي حقيقية… فإحنا مش قدام حادثة.
سألته
قدام إيه؟
بصلي وقال
قدام جريمة قتل.
خرجت من مكتبه وأنا لأول مرة حاسة إن شريف بيحارب معايا حتى بعد موته.
بعد أسبوع.
البلاغ اتقدم رسميًا.
والنيابة بدأت تحقق.
في البداية جيهان كانت بتضحك.
وتقول للناس
أختي اتجننت من الصدمة.
أمي كانت تلف على القرايب وتحكي نفس الكلام.
أما أبويا فكان واثق جدًا.
لدرجة إنه بعتلي رسالة.
بطلي الهبل ده قبل ما تفضحي نفسك.
لكن بعد أسبوعين…
الدنيا اتقلبت.
لأن تقرير الطب الشرعي الرقمي
أكد إن التسجيلات أصلية.
وإن مفيش أي تلاعب فيها.
وفي يوم خميس.
وأنا قاعدة في البيت.
سمعت خبط عنيف على الباب.
فتحت.
لقيت الشرطة.
لكن المرة دي…
ماكنوش جايين عشاني.
كانوا رايحين على بيت أبويا.
وفي نفس الوقت تقريبًا…
كانت قوة تانية بتقبض على جيهان.
في البداية أنكرت كل حاجة.
صرخت.
عيطت.
أغمى عليها.
ادعت المرض.
لكن الأدلة كانت أقوى.
ومع كل تحقيق جديد…
كانت الحقيقة تطلع أبشع.
لحد ما جه يوم المواجهة الأخيرة.
اليوم اللي عمري ما هنساه.
اليوم اللي بصيت فيه في عين أختي للمرة الأخيرة.
وسمعت منها اعتراف قلب حياتنا كلنا للأبد…
كانت قاعة المحكمة ساكتة بشكل مخيف.
الكل موجود.
صحفيين.
محامين.
ناس من العيلة.
وجيران.
وزمايل شريف في البنك.
حتى مدرس مازن كان قاعد في آخر صف.
أنا كنت قاعدة بهدوء.
لأول مرة من سنة كاملة.
هادية بشكل غريب.
يمكن لأن الوجع لما يزيد عن حده…
بيتحول لصمت.
دخلت جيهان القاعة.
لكنها ماكنتش جيهان اللي أعرفها.
وشها أصفر.
عينيها غرقانة خوف.
وشعرها مبعثر.
وبطنها الكبيرة كانت واضحة جدًا.
بصتلي.
وأنا بصيتلها.
لكن ولا واحدة فينا اتكلمت.
بدأت الجلسة.
والنيابة عرضت الأدلة.
التسجيلات.
المكالمات.
التحويلات البنكية.
شهادات الشهود.
كل حاجة.
بالتدريج بدأت الصورة الكاملة تظهر.
جيهان كانت غرقانة في ديون ضخمة بسبب جوزها شريف.
وأبويا كان مديون لتجار ورجال أعمال.
وكانوا محتاجين ملايين الجنيهات بسرعة.
وكانوا شايفين إن شريف زوجي هو الحل.
الشقة.
الاستثمارات.
التأمين.
كل حاجة كانت هدف.
لكن شريف رفض.
ورفض أكتر من مرة.
بل وهدد إنه يبلغ عن محاولات التزوير.
ومن هنا بدأت الكارثة.
القاضي بص لجيهان.
وسألها
هل تنكرين ما ورد في التحقيقات؟
جيهان فضلت ساكتة.
ثواني طويلة.
ثم بدأت تبكي.
في الأول افتكر الناس إنها بتتأثر.
لكن بعدها قالت جملة خلت القاعة كلها تتجمد.
أنا ماكنتش عايزة الواد يموت.
سكتت القاعة.
تمامًا.
حتى القاضي نفسه رفع رأسه.
وأنا حسيت إن قلبي اتقبض.
جيهان كملت وهي بتبكي
أنا كنت عايزة شريف بس.
شهقة جماعية خرجت من الناس.
واحدة من السيدات غطت بوقها.
ومدرس مازن نزلت دموعه.
أما أنا…
فكنت قاعدة زي التمثال.
جيهان قالت
قالولي إنه خارج لوحده.
ثم انفجرت في البكاء.
والله ما كنت أعرف إن مازن معاه.
صوتها كان مليان رعب.
لكن بالنسبة لي…
كان متأخر جدًا.
متأخر سنة كاملة.
متأخر بعد قبرين.
متأخر بعد ألف ليلة بكاء.
القاضي سألها
يعني تعترفين بالمشاركة في التخطيط؟
هزت رأسها ببطء.
وقالتها.
بوضوح.
أمام الجميع.
أيوة.
في اللحظة دي…
أمي انهارت.
صرخت صرخة عالية.
وأبويا دفن وشه بين إيديه.
لأول مرة في حياته.
لأول مرة فعلاً.
بدا عجوزًا.
مهزومًا.
منكسرًا.
لكن حتى المنظر ده ماحركش جوايا أي حاجة.
ولا شفقة.
ولا شماتة.
ولا انتصار.
ولا حتى راحة.
لأن مفيش حكم في الدنيا هيقدر يرجع مازن.
ولا شريف.
بعد ساعات طويلة.
صدر الحكم.
أحكام قاسية.
والناس كلها كانت بتتكلم.
بتبكي.
بتتصور.
بتناقش.
أما أنا فكنت ماشية ناحية الباب.
بهدوء.
لحد ما سمعت صوت جيهان بينادي.
مريم!
وقفت.
لكن ما بصتش.
سمعتها بتعيط.
بتصرخ.
بتقول
سامحيني.
سكتت لحظة.
ثم قالت
أنا أختك.
هنا فقط…
لفيت وشي ناحيتها.
بصيت في عينيها.
العينين اللي كنت زمان بموت عشان أحميهم.
ثم قلت بهدوء شديد
لأ.
القاعة كلها سكتت.
كملت
أختي ماتت قبل ابني بوقت طويل.
وسبتها.
ومشيت.
من غير ما أبص ورايا.
من غير دموع.
من غير تردد.
خرجت من المحكمة.
والشمس كانت بتغيب.
نفس لون الشمس يوم دفن مازن.
ركبت عربيتي.
وسقت.
من غير هدف.
من غير وجهة.
لكن لأول مرة من سنة كاملة…
حسيت إن الحمل اللي فوق صدري بدأ يخف.
شوية.
بس شوية.
وبعد شهور طويلة…
كنت قاعدة في شرفة بيت صغير وسط الجبال والخضرة.
قدامي فنجان قهوة.
وفي حضني كاب شريف القديم.
وجنبي صورة مازن وهو بيضحك.
بصيت للسماء.
وابتسمت.
مش لأن الوجع اختفى.
الوجع عمره ما بيختفي.
لكن لأن الحقيقة أخيرًا ظهرت.
ولأن الناس اللي دمروا حياتي…
ما بقوش جزء منها.
وفي آخر صفحة من دفتر يومياتي كتبت جملة واحدة
خسرت زوجًا وابنًا… لكنني نجوت من عائلة كانت ستدفنني وأنا ما زلت على قيد الحياة.

