الممرضه اللى انقذت زعيم المافيا
الممرضة اللي الكل كان بيتريق عليها زقّت الحقنة من إيد الدكتور… وساعتها خطيبة زعيم المافيا فهمت إنه اختار يثق في مين.
ندى شريف زقّت الحقنة من إيد الدكتور كريم عزت قدام مدير المستشفى، وأربع حراس مسلحين، وست شيك جدًا اسمها يارا فؤاد… ولثانية واحدة بس، كل اللي في المكان بصّوا للممرضة اللي خارجة من نبطشية ليل طويلة، كأنها بقت أخطر من زعيم المافيا المصاب اللي كان نايم جوه الأوضة.
الحقنة وقعت على أرضية الرخام…
واتدحرجت تحت الدولاب.
في لحظة، أربع مسدسات اترفعت.
قلب ندى كان هيطلع من مكانه… لكنها ما وطتش عينيها.
طول عمرها كانت بتعمل كده.
كانت بتوطي عينيها لما ولاد المدرسة يتريقوا على جسمها.
وتوطيها لما الممرضات الرفيعة يقولولها إنها حنينة… وهم يقصدوا إنها مش بتشكل أي تهديد.
وتوطيها لما الدكاترة يشكروا صبرها، وبعدها يبعتوها لكل الأوض اللي محدش راضي يدخلها.
أبوها ربّاها على إن واحدة بجسم زي جسمها لازم تشكر ربنا إن أي مكان يرضى يدخلها.
لكن أمها علمتها حاجة تانية…
اسمعي الناس اللي محدش بيسمعهم.
والدرس ده هو اللي خلاها، بعد 13 ساعة شغل من غير حتى لقمة، تطلع للدور العشرين.
وهو كمان اللي خلاها تبص على الحقنة مرتين.
إنتِ اتجننتي؟! صاح الدكتور كريم.
ومسك دراعها بعنف.
الألم جرى في إيدها.
ورا الدكتور كانت واقفة يارا، خطيبة عمر السيوفي، زعيم المافيا… لابسة أسود، وألماسها كان بيلمع أكتر من نور المستشفى.
قالت ببرود
طلعوها برة… حالًا.
ندى بصّت من باب الأوضة المفتوح.
عمر كان نص قاعد على السرير، ماسك السور الحديد بإيده بقوة.
الدم مغرق طرف الضمادة اللي على راسه.
إصابته في رقبته كانت مخلياه بالعافية يقدر يتكلم…
لكن عينيه؟
كانوا صاحيين.
واعين.
مرعوبين…
ومتعصبين لأن محدش راضي يسمعه.
المدينة كلها كانت بتقول إنه راجل قاسي.
والدكاترة كانوا بيقولوا إنه عدواني.
ورجالته كانوا
بينادوه الباشا… لكن واقفين بعيد عنه عشان محدش يتأذى.
أما ندى…
فشافت مريض، باصص للحقنة كأنها مسدس متعمر.
قالت بهدوء
هو آخر عملية عملها حصل له حساسية شديدة من النوع ده من المهدئات.
الدكتور شد على دراعها أكتر.
المعلومة دي قديمة.
ردت من غير خوف
الحساسية عمرها ما بتنتهي… حتى لو إنت مستعجل.
مدير المستشفى اتلخبط.
واحد من الحراس بص على الملف.
أما يارا…
فما بصتش لعمر.
بصّت للحقنة اللي تحت الدولاب.
وندى أخدت بالها.
الدكتور حاول يبعدها.
هو عنيف… ومش في وعيه… وبيهدد سلامة الطاقم.
ندى هزت راسها.
لأ… هو بيحاول يمنعك.
الدكتور ضحك بسخرية.
بقيتي بتقري الأفكار؟
سحبت إيدها منه وقالت
لأ… أنا بقرا المرضى.
ودخلت الأوضة.
الحراس دخلوا وراها، وسلاحهم لسه مرفوع.
رفعت إيدها وقالت
لو ضربتوني بالنار… برضه هتحتاجوا حد يعرف ينقذه لما التعب يزيد.
ولا طلقة خرجت.
قربت من السرير بهدوء.
عمر كان متابع كل حركة.
قالت
أنا اسمي ندى شريف… ومش هلمسك غير بإذنك.
وراها، يارا قالت باستهزاء
هو أصلًا مش قادر يرد.
ندى تجاهلتها.
لو فاهمني… ارمش مرة. ولو لأ… مرتين.
فضل باصلها تلات ثواني…
وبعدين رمش مرة.
الحراس بصوا لبعض.
ندى كملت
إنت شايف إن الدوا اللي جابه الدكتور غلط؟
رمشة قوية.
الدكتور اتعصب.
الكلام ده عبث.
لكن ندى ما حولتش عينها عنه.
حد قالك ما تثقش في الدوا ده؟
رمشة.
قبل الهجوم اللي اتعمل عليك؟
رمشتين.
بعد ما وصلت المستشفى؟
رمشة.
ساعتها…
كل اللي في الأوضة حس إن في حاجة غلط فعلًا.
ندى بصّت على ترابيزة العلاج.
كان في عبوتين دوا جنب المحلول.
شكلهم شبه بعض جدًا…
بس الغطا مختلف.
واحدة من صيدلية المستشفى.
والتانية…
لأ.
مسكتها.
وقالت
العبوة دي مش من صيدلية المستشفى.
وش الدكتور كريم اتغير.
حطيها مكانها.
ليه؟
يارا قربت وقالت بحدة
عشان إنتِ ممرضة… مش محققة.
ندى بصتلها وقالت
وأنا كممرضة أعرف إمتى يبقى في حاجة جنب مريضي ممكن توقف نفسه.
عمر طلع صوت بالعافية.
وعينه ما سابتش ندى.
هي فهمت قصده.
إنت حاولت تحذرهم…
رمشة.
ولأول مرة…
حد سمعه.
الدكتور مد إيده ناحية العبوة.
لكن شريف الديب، رئيس الحراسة، وقف قدامه.
محدش هيلمسها.
الدكتور قال بعصبية
إحنا في مستشفى.
ندى ردت
يبقى اتصرفوا كمستشفى.
يارا بصتلها باحتقار.
إنتِ عارفة إنتِ بتكلمي مين؟
ندى قالت
آه… الست اللي المفروض تسأل مين اللي بدّل دوا خطيبها.
وش يارا اتهز…
ولو لثانية.
وعمر شاف.
وندى شافت.
شريف أمر إن الدكتور يطلع برة، واتحفظ على العبوة كدليل.
وبعد شوية وصلت الدكتورة منى عادل.
راجعت الملف، وفحصت الدوا…
وسكتت.
وبعدين قالت
الممرضة ندى… كانت عندها حق.
يارا عقدت دراعاتها.
يعني إيه؟
الدكتورة ردت
يعني الدوا ده كان ممكن يوقف نفسه تمامًا.
الكلام وقع على الكل زي التلج.
عمر غمض عينه مرة.
مش ارتياح…
تأكيد.
مدير المستشفى طلب مراجعة كاميرات المراقبة وسجلات الصيدلية.
ويارا قالت إن ندى بالغت.
وندى للحظة بدأت تشك في نفسها.
يمكن فعلًا فهمت غلط.
يمكن أحرجت نفسها.
يمكن الناس المهمة كلها هتقول إنها كانت بتدور على بطولة.
لكن فجأة…
عمر طلع كلمة بالعافية من وسط وجعه.
لأ.
أجهزة المراقبة علت.
الدكتورة قربت منه.
بلاش تتكلم.
بص لندى.
وقال
هي.
وحط إيده على صدره…
وبعدين أشار عليها.
شريف فهم قصده.
هو… واثق فيها.
يارا ضحكت بسرعة وقالت
دي إصابة في الراس.
لكن عمر بص لها بنظرة جمدت الدم في عروقها…
فسكتت فورًا.
مدير المستشفى اعترض إن ندى أصلًا مش مسؤولة عن حالات الشخصيات المهمة.
لكن شريف قال بمنتهى الحسم
من اللحظة دي… هي المسؤولة عنه.
ولأول مرة في حياتها…
ندى ما حسّتش بالفخر.
حسّت بتقل المسؤولية.
لأن التجاهل كان بيوجع…
بس إن أخطر راجل في البلد يختارك قدام ناس كلها بتكرهك…
كان ممكن يوجع بطريقة تانية خالص…
سكتت الأوضة بالكامل، لدرجة إن صوت أنفاس عمر السيوفي كان يسمع بوضوح فوق صوت أجهزة المراقبة. ندى كانت واقفة مكانها، إيدها لسه ترتجف من قبضة الدكتور كريم، لكن عينيها ما نزلتش عن المريض اللي كل الناس بتخاف منه وتكرهه وتقول عليه كل الكلام السيء.
شريف الديب، رئيس الحراسة اللي طول عمره ما يثق في حد غير في عمر، بص لندى بتركيز، كأنه بيقيس مدى صدق كلامها. هو عرف عمر من لما كان صغير، وعرف إن الراجل ده ما يثق في حد بسهولة، وإن نظراته ما تكذب أبدًا. واللي شافه دلوقتي ما كانش غلط عمر كان بيبص لندى كأنها النور الوحيد في ظلام طويل.
يارا فؤاد كانت واقفة بجانب الباب، أظافرها غارزة في كفوفها من الغيظ. كانت متوقعة إن كل الأمور تمشي زي ما خططت لها، إن الدوا المغير ياخد مفعوله ويخلص عمر في سلام، وتفضل هي وارثة كل ثرواته ونفوذه، وكل الناس تفضل تقول إنها كانت خطيبة مخلصة لآخر لحظة. لكن الممرضة دي، اللي كل واحد كان بيعتبرها لا قيمة لها، قلبت الطاولة فوق راسها في دقائق.
يعني إيه الكلام ده؟! صرخت يارا فجأة، بصوت عالي حاولت تستر به ارتباكها. راجل مصاب ومش في وعيه، وانتو بتاخدوا كلام ممرضة مش معروفة عليه؟ ده جنان!
مدير المستشفى كان متردد، بين خوفه من غضب يارا ونفوذ عائلتها، وبين الحقيقة اللي ظهرت قدام عينيه، وبين حقيقة إن عمر السيوفي نفسه هو اللي أثبت صحة كلام الممرضة. الدكتورة منى عادل، اللي كانت من أطباء المستشفى القدامى والمعروفين بنزاهتهم، ردت بهدوء وحسم
الكلام مش في إن كان عمر السيوفي في وعيه ولا لأ يا ست يارا. الكلام في إن التحليل أثبت إن الدوا اللي كان جاهز للحقن كان سام ومسبب لوقف القلب فورًا. والممرضة ندى شريف هي الوحيدة اللي لاحظت الفرق بين العبوات، وإنها كانت تعرف من ملف المريض القديم إن عنده حساسية من المادة الأساسية في الدوا ده.
ندى بصت للدكتورة بامتنان، وبعدها رجعت بصرها لعمر اللي كان لسه بيتابع كل كلمة بتتقال. قالت بصوتها الهادئ اللي ما كانش فيه أي تكبر
أنا ما عملتش حاجة غريبة. ده واجبي كإنسان أولًا، وكطاقم طبي ثانيًا. المريض ده كان
لمحة نيوز
بيحاول يحذر، وكل واحد كان بيتجاهله عشان خايف أو مش عايز يسمع.
شريف الديب رفع راسه وقال بكل حسم
من اللحظة دي، ممنوع أي حد يدخل الأوضة دي غير الممرضة ندى شريف والدكتورة منى عادل. أي دكتور أو ممرض تاني بيقرب من هنا بيكون مسؤول عن أي حاجة تحصل. وتابعوا كل كاميرات المستشفى، وشوفوا مين اللي دخل وطلع من أوضة العلاج دي قبل وصول الباشا.
يارا حاولت تعترض
ده مش منطقي! أنا خطيبته، ولازم أكون موجودة معاه!
رد عليها شريف بنظرة باردة ما شافتش منها خوف
الباشا هو اللي اختار مين اللي يكون معاه. وإن شاء الله لما يتحسن، هو اللي يقرر كل حاجة. دلوقتي، سلامته أولوية لكل واحد هنا.
سحبت يارا أنفاسها بغضب، وبصت لندى بنظرة كأنها بتوعدها بشر، وطلعت من الأوضة بخطوات سريعة، ووراها مدير المستشفى والدكتور كريم اللي وشه كان أصفر من الخوف. لما فضلوا ندى وعمر وشريف والدكتورة منى، قربت ندى من السرير شوية وقالت
ممكن أغير الضمادة وأتأكد من الجرح؟ مش هعمل أي حاجة غير لو سمحت.
عمر رمش مرة ببطء، وهدأت عضلات وجهه المتوترة أول مرة من لما وصل المستشفى.
الفصل الثاني الماضي اللي ما حدش يعرفه
بعد ما انتهت ندى من فحص الجرح وتغيير الضمادة، وتأكدت إن مفعول الدوا الآمن بدأ يهدأ ألمه، طلب شريف من الدكتورة منى تروح تجهز كل الأوراق والتحاليل، وفضل هو وندى في ركن من الأوضة بعيد عن السرير شوية.
بص لها بتركيز وقال
أنتِ عرفتي منين إن الدوا ده غلط؟ الملف الحديث ما كانش مكتوب فيه أي كلام عن الحساسية دي.
ندى لعبت بزاوية ملابسها بقلق، وقالت بصوت خافت
الملف القديم اللي موجود في أرشيف المستشفى، من لما جاله إصابة من قبل من سنين، كان مكتوب فيه بوضوح. كنت بقرا كل ملفات المرضى اللي بيجولي بتركيز، عشان ما يصيرش غلط. ولما شفت العبوة، لقيت الكتابة عليها مختلفة شوية، والغطا لونه أغمق من اللي بنستخدمه عادة. وحسيت إن في حاجة غريبة، فطلبت أتأكد قبل ما أعطيه.
سكتت شوية، وبعدها كملت بابتسامة حزينة
طول عمري ما حد بيعطيني اهتمام، ولا حد بيسأل رأيي، فكنت بعوض ده بإن أكون دقيقة جدًا في شغلي. عشان لو في يوم حصل غلط، أكون أنا اللي منعته، مش اللي سببته.
شريف هز راسه بتفهم، هو عارف كويس معنى إنك تكون محسوب إنك مش مهم، وإن الناس بتتجاهلك عشان ظاهرك أو عشان ظروفك. قال
الباشا عمر ما بيتكلم كتير، ولا بيعبر عن اللي جواه، لكن عينيه ما بتكذب. هو شاف فيكِ شيء ما شافوش في غيرك، وده شيء نادر جدًا. احذري، اللي حصل النهاردة خلّاكِ في مرمى ناس كتير مش عايزين الخير له، وخصوصًا اللي كان وراء تبديل الدوا ده.
ندى شعرت برعشة خفيفة في جسمها، لكنها قالت بثبات
أنا مش خايفة. ما عملتش حاجة غلط، والحق لازم يظهر. وأنا هفضل جنبه لحد ما يتحسن، وكل ما يطلبه واجب عليّ أقدمه.
عمر كان لسه صاحي، وسمع كل الكلام ده، وابتسم ببطء لأول مرة، وإن كانت ابتسامة ضعيفة ومتعبة، لكنها وصلت لندى ودفأت قلبها.
في الصباح الباكر، لما بدأت أشعة الشمس تدخل من شباكيك الأوضة، دخلت ندى بترمس الشاي الخفيف والطعام المهروس اللي المفروض يتناوله، ولقت عمر بيبص للباب منتظرها. قربت منه وقالت بابتسامة لطيفة
صباح الخير يا باشا. الحمد لله على سلامتك. ممكن تشرب شوية شاي؟ الدكتورة قالت إنه مسموح بكام رشفة بس.
عمر رمش مرة، ومد إيده ببطء عشان ياخد الكوب منها، ولما لمست إيدها إيده، شعرت بدفء غريب، وإن الثقة بينهم بقت أقوى من أي كلام. وهو شاف في عينيها راحة ما شافهاش في عين أي حد قربه طوال حياته، لا في خطيبته يارا، ولا في أهله، ولا حتى في أصحابه.
بدأت تسترجع في ذهنها ما تعرفه عنه إن عمر السيوفي ورث أعمال والده من صغره، وإن الناس بتسميه زعيم مافيا عشان أعماله الكبيرة في التجارة والبناء، وإن له نفوذ واسع، لكن ما حدش يعرف إن معظم أعماله مشروعة، وإن اللي بيتقال عليه كتير منه افتراء من أعدائه اللي بيخافوا من نفوذه وبيحاولوا يضروا به بكل طريقة. وإن حياته كانت مليئة بالخطر، وإن ما لقاش أحد يفهمه أو يسمعه بصدق من زمان طويل.
الفصل الثالث الأسرار والتهديدات
في نفس الوقت، كانت يارا فؤاد جالسة في مكتب مدير المستشفى، وبصوت حاد ومليء بالتهديد بتتكلم
أنت فاهم يعني إيه إن الممرضة دي تفضل مسؤولة عنه؟ ده ممكن يضر بكل سمعتنا! ووالدي ما هيرضى بده أبدًا.
مدير المستشفى كان متوتر جدًا، وقال بصوت متردد
يا ست يارا، أنا ما أقدرش أعمل حاجة. السيد شريف الديب هو اللي أمر كده، وكلنا نعرف نفوذ السيد عمر السيوفي. ولو حصل له أي حاجة، حياتنا كلها هتكون في خطر. والدكتورة منى أثبتت إن الممرضة كانت عندها حق، وإن الدوا ده كان ممكن يقتله.
ضربت يارا بيدها على المكتب بغضب
أنا مش عايزة أسمع الأعذار! لازم تغيروا الموضوع ده، وتجيبوا دليل إنها غلط، أو إنها هي اللي بدلت الدوا عشان تظهر نفسها!
هز مدير المستشفى راسه بقلق
ده مش سهل يا ست يارا. الكاميرات أثبتت إن الدكتور كريم هو اللي جاب العبوة، وما حدش لمسها غيره وغير الممرضة ندى لما وقعتها. وتحاليل الحقنة والعبوات كلها موجودة كدليل.
خرجت يارا من المكتب وهي مشتعلة من الغيظ، واتصلت بحد ما، وقالت بصوت منخفض مليء بالشر
الخطة فشلت. الممرضة دي وقفت في طريقنا. لازم نتصرف بسرعة، قبل ما تفتح فمها وتقول حاجات تضرنا.
في الأوضة، لاحظت ندى إن عمر أصبح متوتر، وإن قلبه بيدق أسرع من الطبيعي. قربت منه وقالت بهدوء
في حاجة بتضايقك؟ تقدر تقولي لو عايز أي حاجة، أو لو في حد بيزعجك.
بص لها بتركيز، وحرك إيده ببطء على السرير، كأنه بيحاول يكتب حاجة. فهمت قصده، فجابت ورقة وقلم، وحطتها قدامه. أخذ القلم ببطء وبصعوبة، وكتب كلمات صغيرة خطر. احذري.
قرأت الكلام، ورفعت راسها له بابتسامة واثقة
شكرًا على التحذير. وأنا قلتلك من الأول، مش خايفة. وإن شاء الله ما يصيرش لنا أي مكروه.
كتب تاني يارا. مش كما تظنين.
فهمت تمامًا قصده، وردت ببطء
أنا عرفت من أول ما شفتها. إنها مش مهتمة بسلامتك، إنها مهتمة بمصالحها بس. ولا تقلق، مش هسمح لها تضرك أبدًا.
من ذلك اليوم، صارت ندى ما تترك الأوضة إلا لضرورة، وكل ما تخرج شوية يكون شريف أو أحد رجالته بيبقى قريب من الباب. وكل يوم كان عمر يتحسن شوية، وكل يوم كان يتكلم أكتر، ويحكي لها أشياء من حياته، وكل ما يحكي كانت تستمع له بكل اهتمام، ما تقاطعهش ولا تحكم عليه، وده اللي خلاها تقرب منه أكتر وأكتر.
حكى لها كيف إن والده مات وهو صغير، واضطر يتحمل مسؤولية العائلة والأعمال من سن مبكر، وكيف إن الناس كانت بتخاف منه وتبعد عنه، وإن ما لقاش أحد يهتم بيه كإنسان، لا كرجل أعمال ولا كزعيم عائلة. وكيف إن خطوبته ليارا كانت
بناء على اتفاق بين عائلتيهما، وإن ما كانش بينهم حب، وإن كان عارف إنها بتتخدع فيه، لكن كان مش عارف يفعل شيء لحد ما حصل محاولة الاغتيال دي.
ندى كانت تستمع له بدمع عين أحيانًا، وتقول له
الدنيا دي مش كلها شر يا سيد عمر. فيه ناس بتقدر الخير، وبتحب بصدق، وبتسمع بكل قلبها. وإن شاء الله من دلوقتي، تلاقي اللي يستاهلك.
الفصل الرابع الحق يظهر والظلم يزول
بعد ثلاثة أيام، استطاع عمر يقف على رجليه ببطء، وطلب يحقق في الموضوع بنفسه. جمع شريف كل الأدلة تسجيلات الكاميرات اللي أثبتت إن الدكتور كريم استلم مبلغ مالي من حساب سري مرتبط بعائلة يارا، وشهادة موظف الصيدلية اللي قال إن الدكتور هو اللي طلب عبوة الدوا الغلط، وإن ما كانش مكتوب في الطلب أي سبب لاستبدال النوع المعتاد.
لما اتجمعوا كلهم في غرفة الاجتماعات بالمستشفى، كان عمر جالس على كرسي متحرك، وبجانبه ندى، ووقوف وراه شريف ورجالته. ويارا كانت واقفة مع والدها، وكلاهما محاولين يظهروا الثقة، لكن الخوف كان واضح في عيونهم.
بدأ عمر يتكلم بصوت قوي وثابت، رغم إن لسه بيتعب شوية
كلنا عارفين سبب اجتماعنا النهاردة. محاولة اغتيالي كانت مدبرة من الداخل، وبمساعدة أشخاص قريبين مني. والأدلة كلها موجودة قدامكم.
أشار شريف على الشاشة، وظهرت تسجيلات التحويلات المالية، وكلام الموظفين، ونتائج التحاليل. وش الدكتور كريم اتلون، وبدأ يعتذر ويقول إنه مغلوب على أمره، وإن يارا هي اللي هددته بقتل عائلته لو ما عملش كده.
صرخت يارا
ده كلام كذب! هو بيحاول يلقي اللوم عليا عشان ينجح نفسه!
رد عليها عمر بنظرة حادة
أنتِ نسيتي إنكِ كلمتي الدكتور كريم في نفس يوم المحاولة، وإنكِ كنتي بتسأليه عن مفعول الدوا ده؟ ونسيتي إنكِ طلبتي منه ما يكتبش أي ملاحظة في الملف عن الحساسية؟ وكل ده مسجل في سجلات المكالمات.
سكتت يارا فجأة، وسقطت كلماتها من فمها. والدها حاول يتدخل
ده كل افتراء! بنتنا ما تعملش حاجة زي كده!
قال عمر ببرود
الشرطة جاية دلوقتي تاخدكم للتحقيق. والأدلة كاملة، ولا داعي للكلام الزائد. أما أنتِ يا يارا، فخطوبتنا منتهية من اللحظة دي، وكل ما لكِ من أموال أو عقارات باسمي سحبتها منكِ فورًا. وكل من ساعدك في ده هيلاقي جزائه.
لما خرجت الشرطة ويارا ووالدها والدكتور كريم، ساد الهدوء في الغرفة. بص عمر لندى، وقال بصوت دافئ
لو ما كنتش موجودة، كان زماني ميت دلوقتي. شكرًا لإنكِ سمعتيني، وإنكِ صدقتيني لما كل الدنيا كانت ضدي.
ندى احمرت خدودها من الخجل، وقالت
الشكر لله يا سيد عمر. أنا ما عملتش غير واجبي، وكل إنسان يستحق إن حد يسمعه ويصدقه.
مدير المستشفى كان واقف بجانبهم، وقال باحترام
نعتذر منك يا سيد عمر، ومنكِ يا آنسة ندى، على كل ما صدر منا من تجاهل أو سوء فهم. وآنسة ندى من دلوقتي، ترقيتها فورية، وكل الامتيازات اللي تستحقها هتكون جاهزة لها فورًا.
شكرته ندى بابتسامة، لكنها قالت
أنا بحب شغلي، وما أريدش ترقية بلا سبب. لو سمحتوا، ابقوا عاملين كل المرضى بالعدل والاهتمام زي ما لازم، وده يكفيني.
الفصل الخامس حياة جديدة وثقة لا تنتهي
بعد أسبوع، خرج عمر من المستشفى، وطلب من ندى تكون معاه لحد ما يصل لبيته، عشان تتأكد من حالته أولًا. لما وصلوا للقصر الكبير اللي كان بعيد عن ضوضاء المدينة، شافت إن المكان كان مليء بالخدم والحراس، لكنه كان بارد ومش مأهول بالحب والدفء.
جلسوا في الحديقة الخلفية، تحت شجرة كبرى، وقال عمر
طول عمري عايش في المكان ده، وما حسيتش إنه بيت. البيت ما بيكون بحجر ولا مال، بيه الناس اللي بتحبك بصدق وتبقى جنبك في كل الأوقات.
بص لها بتركيز وكمل
ندى، أنا عرفت قيمتك، وعرفت إنك الوحيدة اللي شافتني كإنسان مش كرجل نفوذ أو مال. عايزك تفكري في الموضوع ده عايزك تبقي جنبي، مش كموظفة ولا كمعينة، بل كشريكة حياتي. هتقبلي؟
ندى كانت مصدومة، وعيونها ملأت دموع الفرح. كانت تتمنى ده في قلبها، لكنها ما كانتش تتوقع إن يحصل بسرعة وبصدق كده. مسحت دموعها وقالت بابتسامة مليئة بالحب
أنا موافقة يا سيد عمر. وإن شاء الله هكون لكِ الزوجة الصادقة، والصديقة اللي تسمعك وتقف جنبك طول العمر.
ابتسم عمر، وابتسامة دي كانت أجمل ما شافت منه، ومسك إيدها بكل حب
من دلوقتي، ما حدش يقدر يضايقك أو يتجاهلك. أنتِ صاحبة الفضل في حياتي، وأنتِ النعمة اللي رزقني الله بيها بعد تعب طويل.
خبر عائلته بالخبر، وكلهم فرحوا لهم، لأنهم عرفوا إن ندى إنسانة طيبة ونزيهة، وإنها اللي رجعت لروح عمر اللي كانت مفقودة من زمان. وانتشر الخبر بين الناس، وكل اللي كان بيتريق على ندى قبل كده، بقي يحترمها ويقدرها، وعرفوا إن القيمة مش في الشكل أو المال، القيمة في النفس الطيبة والضمير الحي.
استمرت ندى في شغفها بالطب والتمريض، وفتحت مع عمر مستشفيات خيرية للي محتاجين، وخصصوا أقسام خاصة للي بيتعرضوا لإهمال أو ظلم، عشان كل واحد يلاقي اللي يسمعه ويعالجه بكل إنسانية. وكل ما كان بيجي مريض صعب الحالة، كان عمر يقول لندى بابتسامة
ده دورك يا حبيبتي، أنتِ اللي تعرفي تصلحي ما يفسده الظلم والإهمال.
وكانت حياتهم مليئة بالحب والتفاهم، ما كان بينهم أي خصام أو شك، لأن كل واحد كان بيسمع التاني ويحترم رأيه. وكل ما كانوا بيمروا بظرف صعب، كانوا يتذكروا أول لقاء لهم في المستشفى، وكيف إن كلمة واحدة أو فعل صغير ممكن يغير حياة إنسان بالكامل.
الفصل السادس العبرة والذكرى
بعد سنين، كان عمر وندى جالسين في نفس الحديقة، ومعاهم أولادهم الصغار، وبيحكوا لهم قصة أول لقاء لهم. قال عمر لولده الكبير
يا بني، أهم حاجة في الدنيا إنك ما تتجاهلش حد، مهما كان صغير أو فقير أو مختلف عنك. وإن الحق لو صبر بيظهر، والظلم مهما طال بيختفي. وإن اللي بيسمع الناس اللي محدش بيسمعهم، ده اللي ربنا بيجعل له مكانة كبيرة في قلوب الناس وفي الدنيا كلها.
وقالت ندى لبناتها
ما تخجلوش من أنفسكم أبدًا، ولا تسمحوا لحد يقلل منكم. القوة مش في الصوت العالي أو المال، القوة في الصدق والصبر والقدرة على فعل الخير حتى لو كان صعبًا. وإن شاء الله ما يضيع أجر من أحسن عملًا أبدًا.
وكانت القصة دي تتناقل بين الناس، وتبقى مثال على إن العدل ينتصر في النهاية، وإن الثقة الصادقة والاستماع للآخرين هي أجمل ما يمكن أن يجمع بين البشر. وكل ممرضة وممرض كان بيجي يتعلم في مستشفياتهم، كان أول ما يتعلمه هو قصة ندى شريف، وكيف إن واجب المهنة مش بس في العلاج، بل في رؤية الإنسان أولًا، وفي سماع صوته مهما كان ضعيفًا.
وظلت ندى وعمر يعيشان حياة كريمة، مليئة بالخير والبركة، وكل ما كان بيتذكروا يوم الحقنة، كانوا يشكروا الله على إن قدر لهم يلتقوا، وإن الحق ظهر وانتصر، وإن كل ظالم لقي جزائه، وكل مظلوم نال حقه.
