زوجي مسافر حكايات رومانى مكرم 2

الدم فور في عروقي. الكلام كان بيطلع منها بشرار، وكأنها جاية تبدأ حرب هي مصممة تكسبها.
قربت منها خطوات، وقفت قدامها بالظبط.. الطول بالطول، والعيون في العيون:
* “بيتك؟ أنتِ بتسمي الشقة دي بيتك؟ الشقة اللي اتدفعت فيها فلوس شقايا وصبري وسنين عمري اللي راحت وأنا مستنية جوزي؟”
نيفين ضحكت بسخرية، وحطت إيدها في وسطها:
* “يا حبيبتي، الشقا والصبر دول أوهام في دماغك أنتِ! إبراهيم جوزي على سنة الله ورسوله، والأوراق رسمية. الشقة دي هو اللي مأجرها بفلوس شغله هنا، وأنا اللي أثثتها معاه خطوة بخطوة. أنتِ اللي جاية ضيفة جديدة على حياة مقفولة من سنتين! تحبي تحترمي نفسك وتعرفي حدودك، أهلاً وسهلاً.. تحبي تعملي مشاكل، يبقي أنتِ اللي هتخسري عشان إبراهيم مش هيقدر يستغنى عني هنا.”
الوقاحة كانت فوق مستوى استيعابي. بصيت لإبراهيم اللي كان واقف ينقل نظراته بينا، عاجز.. مكسور.. مش قادر يفتح بوقه بكلمة دفاع واحدة لا عني ولا حتى عنها! كان زي الدمية المربوطة بخيوط.
* “شفت؟” قلتها لإبراهيم وأنا بشاور عليها بإيدي اللي كانت بترتعش من الغضب:
* “شفت الست اللي بعتني عشانها؟ شفت القوة والسيطرة اللي هي ماسكاك بيها؟ أنت مش راجل يا إبراهيم.. أنت مجرد لعبة في إيدها، وهربان من مواجهتي عشان عارف إنك صغرتروحك!”
إبراهيم اتكلم بصوت مهزوز:
* “نيفين.. انزلي دلوقتي معلش.. سيبيني أتكلم مع سمر لوحدنا.”
نيفين ردت بقسوة وهي بصالي:
* “مش نازلة يا إبراهيم! أنا مش هربان. هي لازم تفهم الوضع من أول يوم. يا تقبل بالواقع وتعيش معززة مكرمة ولها أيامها وليا أيامي، يا ترجع من مطرح ما جت والأمر يتحسم من دلوقتي!”
الموقف كان بيسخن ببطء مرعب. الصالة اللي كانت المفروض تكون مسرح لقصة حبنا ولم شملنا بعد سنتين فراق، اتحولت لساحة معركة بدم بارد.
مسكت شنطة إيدي الصغيرة، وشيلت الباسبور والأوراق الرسمية اللي طفحت الدم عشان أطلعهم، وحطيتهم في الشنطة وربطتها على كتفي.
إبراهيم لاحظ حركتي، وجري عليا بسرعة وشده إيدي:
* “سمر! أنتِ بتعملي إيه؟ راحة فين؟!”
بصيت لإيده اللي ماسكة إيدي.. وبصيت لعينيه، وقلت بكلمات هادية ومسمومة:
* “أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة يا إبراهيم. الشقة دي مش بيتي.. والراجل ده مش جوزي. أنت بعتني من أول يوم خرجت فيه بره مصر، وأنا مش البنت اللي تتقسم على اتنين ولا الست اللي يتدخل عليها بضرة في سرها.”
* “أنتِ هتلوحي فين في بلد غريبة في نص الليل؟!” صرخ إبراهيم وهو بيمسك إيدي الاثنين.
* “البلد الغريبة دي أرحم مية مرة من القرب منك ومن القرف ده.”
زقيته بقوة، ولفت لنيفين وقبل ما أخرج قلت لها:
* “اشبعي بيه يا حبيبتي.. خذيه بالرخيص، أصلاً اللي يبيع مراته اللي صانت أصله سنتين.. يبيعك أنتِ في أول لفة. ومبروك عليكِ بواقي راجل.”
مسكت الشنطة الكبيرة وسحبتها ورايا.. إبراهيم حاول يمنعني، ويمسك في الشنطة، ويترجاني:
* “سمر عشان خاطري استني! نتكلم.. نتفاهم! ما تعمليش فينا كده!”
بس أنا كنت خلاص.. الحبل اتأنشط والقلب مات. زقيت الباب ورزعته ورايا بقوة هزت الدور كله.
نزلت في الأسانسير.. ودموعي اللي حبستها أسبوعين كاملين بدأت تنزل. مش دموع ضعف.. دي كانت دموع القرف والحرقة على السنتين اللي ضاعوا من عمري في وهْم كبير.
خرجت للشارع.. الشارع كان فاضي والهوا البارد ضرب وشي. وقفت على الرصيف وأنا ماسكة شنطي ومغتربة في بلد ما أعرفش فيها حارة ولا شارع.
التليفون في إيدي بدأ يرن.. رنات متواصلة من إبراهيم.. ورسائل بتنزل ورا بعض: “سمر ارجعي.. سمر أنتِ فين؟.. والله هحلها.. سمر مش هسيبك في الشارع!”.
طفيّت التليفون خالص.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *